أبي بكر الكاشاني

167

بدائع الصنائع

تتعلق بمكة فيحتاجون إلى الدخول في كل وقت فلو منعوا من الدخول الا باحرام لوقعوا في الحرج وانه منفى شرعا وأما الصنف الثالث فميقاتهم للحج الحرم وللعمرة الحل فيحرم المكي من دويرة أهله للحج أو حيث شاء من الحرم ويحرم للعمرة من الحل وهو التنعيم أو غيره أما الحج فلقوله تعالى وأتموا الحج والعمرة لله وروينا عن علي وابن مسعود رضي الله عنهما أنهما قالا اتمامهما أن تحرم بهما من دويرة أهلك الا أن العمرة صارت مخصوصة في حق أهل الحرم فبقي الحج مرادا في حقهم وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أمر أصحابه بفسخ احرام الحج بعمل العمرة أمرهم يوم التروية أن يحرموا بالحج من المسجد وفسخ احرام الحج بعمل العمرة وان نسخ فالاحرام من المسجد لم ينسخ وان شاء أحرم من الأبطح أو حيث شاء من الحرم لكن من المسجد أولى لان الاحرام عبادة واتيان العبادة في المسجد أولى كالصلاة وأما العمرة فلما روى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أراد الإفاضة من مكة دخل على عائشة رضي الله عنها وهي تبكى فقالت أكل نسائك يرجعن بنسكين وأنا أرجع بنسك واحد فامر أخاها عبد الرحمن بن أبي بكر رضي الله عنه أن يعتمر بها من التنعيم ولان من شأن الاحرام أن يجتمع في أفعاله الحل والحرم فلو أحرم المكي بالعمرة من مكة وأفعال العمرة تؤدى بمكة لم يجتمع في أفعالها الحل والحرم بل يجتمع كل أفعالها في الحرم وهذا خلاف عمل الاحرام في الشرع والأفضل أن يحرم من التنعيم لان رسول الله صلى الله عليه وسلم أحرم منه وكذا أصحابه رضي الله عنهم كانوا يحرمون لعمرتهم منه وكذلك من حصل في الحرم من غير أهله فأراد الحج أو العمرة فحكمه حكم أهل الحرم لأنه صار منهم فإذا أراد أن يحرم للحج أحرم من دويرة أهله أو حيث شاء من الحرم وإذا أراد أن يحرم بالعمرة يخرج إلى التنعيم ويهل بالعمرة في الحل ولو ترك المكي ميقاته فاحرم للحج من الحل وللعمرة من الحرم يجب عليه الدم الا إذا عاد وجدد التلبية أو لم يجدد على التفصيل والاختلاف الذي ذكرنا في الآفاقي ولو خرج من الحرم إلى الحل ولم يجاوز الميقات ثم أرد أن يعود إلى مكة له أن يعود إليها من غير احرام لان أهل مكة يحتاجون إلى الخروج إلى الحل للاحتطاب والاحتشاش والعود إليها فلو ألزمناهم الاحرام عند كل خروج لوقعوا في الحرج * ( فصل ) * وأما بيان ما يحرم به فما يحرم به في الأصل ثلاثة أنواع الحج وحده والعمرة وحدها والعمرة مع الحج وعلى حسب تنوع المحرم به يتنوع المحرمون وهم في الأصل أنواع ثلاثة مفرد بالحج ومفرد بالعمرة وجامع بينهما فالمفرد بالحج هو الذي يحرم بالحج لا غير والمفرد بالعمرة هو الذي يحرم بالعمرة لا غير وأما الجامع بينهما فنوعان قارن ومتمتع فلابد من بيان معنى القارن والمتمتع في عرف الشرع وبيان ما يجب عليهما بسبب القران والتمتع وبيان الأفضل من أنواع ما يحرم به أنه الافراد أو القران أو التمتع أما القارن في عرف الشرع فهو اسم الآفاقي يجمع بين احرام العمرة واحرام الحج قبل وجود ركن العمرة وهو الطواف كله أو أكثره فيأتي بالعمرة أولا ثم يأتي بالحج قبل أن يحل من العمرة بالحلق أو التقصير سواء جمع بين الاحرامين بكلام موصول أو مفصول حتى لو أحرم بالعمرة ثم أحرم بالحج بعد ذلك قبل الطواف للعمرة أو أكثره كان قارنا لوجود معنى القران وهو الجمع بين الاحرامين وشرطه ولو كان احرامه للحج بعد طواف العمرة أو أكثره لا يكون قارنا بل يكون متمتعا لوجود معنى التمتع وهو أن يكون احرامه بالحج بعد وجود ركن العمرة كله وهو الطواف سبعة أشواط أو أكثره وهو أربعة أشواط على ما نذكر في تفسير المتمتع إن شاء الله تعالى وكذلك لو أحرم بالحجة أولا ثم بعد ذلك أحرم بالعمرة يكون قارنا لاتيانه بمعنى القران الا أنه يكره له ذلك لأنه مخالفة السنة إذ السنة تقديم احرام العمرة على احرام الحج ألا ترى أنه يقدم العمرة على الحجة في الفعل فكذا في القول ثم إذا فعل ذلك ينظر ان أحرم بالعمرة قبل أن يطوف لحجته عليه أن يطوف أولا لعمرته ويسعى لها ثم يطوف لحجته ويسعى لها مراعاة للترتيب في الفعل فإن لم يطف للعمرة ومضى إلى عرفات ووقف بها صار رافضا لعمرته لأن العمرة تحتمل الارتفاض لأجل الحجة في الجملة لما روى عن عائشة رضي الله عنها أنها قدمت مكة معتمرة فحاضت فقال لها النبي صلى الله عليه وسلم ارفضي عمرتك وأهلي